المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية
2018/04/20

العودة إلى المدرسة: الأطفال السوريون يعودون إلى المدرسة بمساعدة الاتحاد الأوروبي

منير أحمد المحمود، مدرّس متطوّع، يساعد الأطفال الملتحقين مؤخراً بالمدارس الأردنية لتعويض ما فاتهم من التعليم في مدرسة غير نظامية مقامة في خيمة ...

تتراكم الأحذية المتّسخة بالوحل عند مدخل الخيمة الصغيرة إذ توشك حصص الصباح الدراسية أن تبدأ. مجموعة من الأطفال، و جميعهم لاجئون سوريون، يصيخون السمع إلى منير أحمد المحمود، مدرّس متطوّع في الثلاثين من العمر من مدينة حماه التي مزقتها الحرب، و هو يشرح لهم الطرح. يسألهم: "ما حاصل طرح ثمانية من خمسة و سبعين؟" و هو يكتب على عجل على لوح أبيض صغير يتدلى من خطاف في مقدّم الصّف. يجلس التلاميذ على الأرض و في حضن كلٍ منهم الكتاب المدرسي، و يرفعون أيديهم بلهفة متنافسين على لفت انتباه المعلّم. و يتوجّه واحدُهم تلو الآخر إلى اللوح لحلّ المسائل.

فتيات تعملن على حلّ مسألة حسابية خلال حصص دراسية تعويضية في المدرسة غير النظامية.

غالباً ما يُشار إليه بجيل سوريا الضائع: أمسى ثلاثة ملايين طفل على أقل تقدير خارج المدارس منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011. و يُقدّر عدد الأطفال خارج المدارس داخل سوريا بأكثر من مليوني طفل. في الأردن، يساعد كلٌ من دائرة الاتحاد الأوروبي للحماية المدنية و عمليات المعونة الإنسانية (إيكو) و شركائها آلافَ الأطفال في العودة إلى المدارس.

في الخارج، تسطع الشمس على التلال التي تفصل مستوطنة اللاجئين عن سوريا التي تبعد بضعة كيلومترات  فقط.  يتألف هذا المجتمع من قرابة ثلاثين أسرة تعيش في خيام قرب مدينة الرمثا الأردنية، و يقوم هؤلاء بتربية الخراف و حصاد الخضراوات في المزارع المحيطة.

سلطان طفل يبلغ من العمر عشرة أعوام و يجلس في مؤخـر الصف منهمكاً في الكتابة على عجل في دفتره. يقول إن المادة المفضلة لديه هي اللغة العربية لأنها تساعده في قراءة كتابه المفضّل، "ألف ليلة و ليلة". صديقه خالد في الثالثة عشرة من العمر يحب حلّ الأحاجي و المسائل لذا الرياضيات هي مادته المفضلة. كان الصبيان إلى وقت قريب مضى يمضيان معظم وقتهما في العمل في حقول الخضار. أمسى ارتيادُ المدرسة ذكرى من الماضي البعيد.

منذ بضعة أشهر تغير هذا كله. بمساعدة الاتحاد الأوروبي و منظمة إنترسوس الشريكة، التحق كل من سلطان و خالد مؤخراً بالحصص المسائية في مدرسة أردنية قريبة. في هذه الأثناء، تسمح الحصص الدراسية الصباحية في الخيمة لهما بتعويضِ سنين الدراسة التي فاتتهما.

بالنسبة إلى منير أحمد المحمود، الطالب في كلية الجغرافيا في جامعة دمشق سابقاً، التدريس واجب. وفي الاستراحة ما بين الحصص الدراسية قال: "الأطفال هنا بمثابة أفراد أسرتي، و دعم مجتمعي ضرورة حتمية، و التعليم إحدى الأولويات الأساسية بالنسبة إلى الأهالي هنا"، مضيفاً أن التعليم ساعده أيضاً في نسيان الصدمة و المصاعب التي ألقت بها الحرب على كاهله. كما أنه تعلّم الكثير من الأطفال أيضاً.

يقول منير: "لدي رغبة حقيقية في التدريس، كما أنه يساهم في تجديد معرفتي، إضافة إلى أنني تعلّمت الصبر و فهم مشاعر الأطفال و أفكارهم". في الأردن، يعجز قرابة نصف الأطفال السوريين اللاجئين من الشريحة العمرية المدرسية عن الالتحاق بالمدارس الحكومية. في هذه الأثناء، باتت المدارس التي أقيمت في الخيام، على غرار هذه المدرسة، رائجة في المنطقة. و على الرغم من أن المدارس غير النظامية غير قادرة على إصدار شهادات معترف بها، إلا أنها تساعد الأطفال في التحصيل العلمي التعويضي و تهيـّئهم للالتحاق من جديد بنظامِ التعليم النظامي، سواء أكان ذلك في مدارس الأردن الحكومية أم في سوريا عندما تصبح عودتهم آمنة بالقدر الكافي.

 

لا يمكن للتعليم أن ينتظر نهاية الصراع في سوريا

تقول "جيني هوبز" الخبيرة في مجال التعليم و العاملة مع المعونة الإنسانية المقدّمة من الاتحاد الأوروبي في الأردن: "الأطفال الذين فوّتوا سنواتٍ من التحصيل العلمي بسبب الصراع بحاجة إلى دعم إضافي للانتقال من جديد إلى المدارس. تساعد هذه البرامج التعويضية الأطفال أكاديمياً، كما تقدّم أيضاً مكاناً إيجابياً لإعادة التواصل مع الأطفال الذين هم بعمرهم و لبناء ثقتهم".

يدعم الاتحاد الأوروبي طيفاً من البرامج عبر المنطقة، بما فيها برامج المساعدات النفسية الاجتماعية و التعليم الإصلاحي و الدعم المالي، كي تتمكن الأسر من مساعدة أطفالها في العودة إلى التعليم النظامي. كما سيستضيف الاتحاد الأوروبي مؤتمر بروكسل الثاني حول دعم مستقبل سوريا و المنطقة في شهر نيسان/ ابريل هذا العام، واضعاً التعليمَ ضمن أولويات جدول أعماله.

تقول هوبز: "ستكون هذه لحظة هامة بالنسبة إلى الشركاء في مجال التعليم للتفكير ملياً في تطور الأطفال السوريين. لقد أنجـِز تقدّم كبير لضمان عودة الأطفال إلى الصفوف و تلقيهم التعليم بأمان. إلا أن الصراع منع ملايين الأطفال داخل سوريا و في البلدان المجاورة من التحصيل العلمي. نحن ملتزمون بالسعي و دعم هؤلاء الأطفال من خلال برامج المعونة الإنسانية عام 2018 و ما بعده." في الاستراحة، يركض سلطان و خالد للّعب في الحقول الموحلة المحيطة بالمستوطنة. باتت إحدى تساليهم المفضّلة لعبة البولينغ باستخدام كرة من طين جاف و قوارير الأشربة الغازية الفارغة. إن العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى خالد و زملائه في الصف أمرٌ طالَ انتظاره.