المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية

ميانمار: معاناة الروهنجيين المستمرة في مخيمات النزوح الداخلي

حقوق الصورة محفوظة: ديريغ فيلي- المفوضية الأوروبية- إيكو، كانون الثاني ٢٠١٣.

من بين أكوام الألواح المحبوكة من خيزران البامبو وصفائح الحديد، يُطل عبدالله الذي يقوم بالإشراف على عشرين عاملاً روهنجياً يقومون في بناء إثني عشر ملجأً على نظام الباركس، حيث يتسع كل ملجئٍ إلى عشرة عائلات ممن شردهم الإقتتال العرقي الداخلي في ميانمار. يقول عبد الله: "إعتدت العمل مع المنظمات غير الحكومية الأوروبية، لذلك أستخدم مهاراتي هنا في العمل مع المتعاقدين المكلفين ببناء هذه الملاجئ، حيث يوفر هذا العمل لأبناء شعبي،على الأقل، سقف يلجؤون إليه".  

لقد وجدت ١٦٠٠ عائلة ملجأً لها في هذا المخيم الذي يُدعى "ساي ثا مار جي" الواقع على بعد حوالي ثمانية كيلومترات شمال غربي سيتوي عاصمة ولاية راخين. حيث يُعد بناء الملاجئ المؤقتة على شكل براكسات واحداً من الأعمال التي تجري هنا، فقد تم بناء المراحيض في وقت سابق وأنشأت منافذ المياه أيضاً. وبالنسبة للروهينجا الذين لا يقطنون هذا المخيم مثل عبد الله وأطفاله الأربعة، فقد وجدوا ملجأً لهم عند العائلات الروهنجية في القرى المجاورة التي نجت من أحداث العنف العرقي بين عرقيتي الروهنجا والراخين المتناحرتين.

إلا أن آلاف الروهنجيين لا يزالوا مشردين في الملاجئ المؤقتة في المناطق المجاورة، حيث تلقى بعضهم الخيام من الحكومة المحلية أو من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون الاجئيين. وبالموازاة مع تقديم الخيام، فقد قام الإتحاد الأوروبي عبر دائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية  "إيكو" بتقديم الآلاف من مجموعات أدوات الطبخ ومواد العناية بالنظافة الشخصية إضافة إلى توزيع ٢٥ ألف بطانية وناموسية "شبكة للحماية من البعوض"، وقطع القماش المشمع والخيام. وعلى الرغم من هذه المساعدات، إلا أن مستلزمات الحياة اليومية لأولئك الروهنجا الهاربين من العنف والذين فروا بأرواحهم تاركيين كل ما يملكون خلفهم تبقى كبيرة، حيث حياتهم اليومية ما هي إلا صراع مرير لتأمين هذه المستلزمات.

في منتصف كانون الثاني، قمت بمرافقة فريق من خمسة خبراء من إيكوا وقمنا بزيارة ولاية راخين في ميانمار في مهمة مدتها أربعة ايام لتقييم الإحتياجات الإنسانية لكافة التجمعات السكانية المتضررة. قمنا بتفحص المخيمات وتحدثنا إلى النازحين، وقابلنا زملاء آخرين من المنظمات الدولية الإنسانية ممن يعملون في ضواحي سيتوي حيث يقدمون الإعانة لأكثر من ١١٥ ألف ضحية من ضحايا العنف.

لقد شاهدنا وضعاً إنسانياً غاية في التعقيد في العديد من المناطق في ولاية راخين، حيث تضررت هذه المناطق بطريقة أو بأخرى جراء العنف العرقي الداخلي. أما الظروف المعيشية داخل المخيمات فتعتمد على أماكن وضع المخيمات في الولاية.

يتوسع مخيم "ساي ثا مار جي" الواقع بالقرب من سيتوي بشكل سريع مع بناء ملاجئ مؤقتة، حيث يبدو المخيم كبلدة ناشئة مع وجود الدكاكين الصغيرة والأبنية العامة وساحات لعب للأطفال. إن معظم القاطنين في المخيم من مدينة سيتوي، حيث كانوا يعملون كتجار أو عمال بأجر يومي. وبموجب قانون المواطنة لعام ١٩٨٢ في ميانمار، فقد تم إعتبار هؤلاء الروهنجا "غير مواطنين"، لذلك كانوا محرومين من الحصول على الخدمات الإجتماعية كالإلتحاق بالمدارس أو التداوي بالمستشفيات حتى قبل إندلاع أعمال العنف مؤخراً. وبعد عزلهم عن مدينة سيتوي، فقد تقطعت سبل العيش بهم وباتوا في عوز تام معتمدين كلياً على المساعدات التي تقدمها منظمات الإغاثة الدولية التي تصارع بلا هوادة لتلبية الإحتياجات الإنسانية المعقدة والهائلة في آن واحد.

يبدو الوضع رهيباً إلى الجنوب من سيتوي حيث نزح آخرون من الروهنجا إلى هناك، فالمنطقة هناك مقسمة بتجاويف الأقنية المائية والأنهار، حيث تعد القوارب وسيلة التنقل الوحيدة التي يمكن إستخدامها في إيصال المساعدات الإنسانية كمياه الشرب والغذاء والملجئ، وهكذا يبدو العمل الإغاثي في تلك المنطقة تحدياً لوجستياً شديد الوطأة. كما ويبدو الوضع مزرياً في مقاطعة باك تاوي لدرجة أن إسم مخيم لا ينطبق على هذا المكان. يعيش بأقل تقدير أكثر من ٥ آلاف من الروهينجا الفارين من ثلاثة قرىً دمرها العنف في حقل أرز جاف داخل هياكل مصنوعة من قطع القماش الممزقة وصفائح الحديد المثنى البالية والقصب، ومما يزيد الأمر سوءً عدم كفاية مرافق الصرف الصحي المشيدة هناك لهذا العدد الضخم من النازحين. لا يزال الوصول إلى برك جمع مياه الأمطار ممكناً، إلا أن هذه البرك آخذه بالنضوب. يبعد موسم الأمطار مدة شهرين فقط ومع قدومه سيمتلئ  حقل الأرز هذا بالطين والمياه حيث يتوجب على هؤلاء النازحين الإنتقال مرة أخرى من هنا، و على ما يبدو لا يأبه أحد ما بهم كما ولا يعرف اي أحد هي الوجهة التي يجب عليهم الإرتحال إليها مرة أخرى .

تستعد وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية في ميانمار إلى القيام ببرامج مساعدات طويلة المدى، إلا إن الوصول إلى المناطق التي تحتاج إلى تلك المساعدات تبقى عائقا أمام تلك البرامج وذلك نتيجة القيود التي تفرضها السلطات المحلية. كما ويواجه العمال المحليين لدى المنظمات غير الحكومية الدولية التهديد والوعيد من قبل السكان المحليين، ونذكر في هذا السياق بأن أربعة موظفيين من العمال الوطنيين لا يزالوا محتجزين أو في السجن.

الجميع يأمل بإمكانية عودة الروهنجيين إلى قراهم الأصلية، لكن تبقى تلبية الحاجات الاساسية في الوقت الراهن على سلم الأولويات. وقد التزمت إيكو في وقت سابق بتقديم أكثر من ٨ مليون يورو لمساعدة أسر النازحين الذين فقدوا منازلهم خلال أعمال العنف.

مع ذلك، يواجه مجتمع المساعدات الدولي معضلة حقيقية: في حين أن هناك إحتياجات إنسانية حادة وفورية تتطلب الإستجابة العاجلة، يجب التنحي عن تأييد سياسة التمييز العنصري.

 

ماتياس إيك

إيكو – المسؤول الأعلامي الأقليمي في بانكوك