المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية
2012/12/14 أفغانستان

مسميات غائرة وألم مستمر في حياة الأطفال أثناء النزاعات

أحد الأطفال الذين تيتموا وتم تشريدهم وإجبارهم على أن يصبحوا "أطفال مجندين"

بعد تشريده من منزله في ولاية جونغلي في جنوب السودان جراء الحرب، أجبر دانيال مادول على التجنيد الإجباري من قبل جماعة "الجيش الشعبي لتحرير السودان" المسلحة في ذلك الحين ليصبح "طفلاً مجنداً" في صفوفها. حدث ذلك في عام ١٩٩١، حيث كان مادول يبلغ الثامنة من العمر فقط.

يُذكر أن ٩٠ في المائة من ضحايا النزاعات في هذه الأيام هم من المدنيين- نصفهم من الأطفال. حيث يُعتبر الأطفال بشكلٍ خاص من أكثر الفئات ضعفاً وعُرضةً للخطر أثناء النزاعات، وذلك لأنهم لا يملكون موارد خاصة بهم لإعالتهم كما وأنهم يفتقرون إلى الحماية في أغلب الأحيان.
 
سيتم استخدام الأموال التي حصل عليها الإتحاد الأوروبي من جائزة نوبل للسلام، والمخصصة لدائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية- إيكو- لمساعدة الأطفال أثناء النزاعات.
 
إنتهى المطاف بـ"مادول" أخيراً في مخيم كاكوما للاجئين في كينيا عام ١٩٩٢، وذلك بعد خضوعه للتدريب العسكري المروع وبعد أن شهد أزمة الغذاء الكبرى التي ألمت بأثيوبيا. لم يدرِ مادول حينها أنه لن يعود إلى وطنه أبداً.
 
تمتد النزاعات عادةً لعدة سنوات، حيث قد تبقى الأسر لفترات طويلة  كلاجئين أو أشخاص مشردين داخلياً في مخيمات (نازحين). فقد أظهرت التحليلات مؤخراً (١) أن متوسط مدة المكوث في مثل هذه المخيمات هو ١۷ سنة.
 
وقد حمل العديد من الأطفال في النزاعات دون قصد "تسميات" تلك الحروب. فإنتقلوا في كثير من الأحيان في أزمات امتدت لسنوات عديدة دون وجود حلول سياسية؛ ففروا من منازلهم (وأصبحوا في عداد الأشخاص المشردين داخلياً)، وبحثوا عن ملاجئ في دولٍ أخرى (ليصبحوا في عداد اللاجئين)، ومنهم من جعلته الأزمات يتيماً أو طفلاً محارباً  أو طفلاً يتعرض للاغتصاب أو ناجياً من الاعتداء أو التعذيب الجسدي أو الجنسي.
 
مادول، الذي يبلغ من العمر ٢۷ عاماً الآن، هو أحد أولئك "الصبية التائهين" في جنوب السودان (٢) والذي أمضى العشرين سنة الأخيرة في مخيم اللاجئين في كاكوما وضواحيها. عندما هدأت الأوضاع في جنوب السودان وعند قيام المفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين بتقديم عرض رجوع اللاجئين من كاكوما، اختار مادول عدم العودة إلى وطنه عام  ٢٠٠٨.
 
"ليس لدي هناك أي عائلة أو ارتباطات تُذكر، إضافةً إلى ذلك، فأنا أعلم أن الحياة هناك كانت ولا تزال صعبةً جداً، حيث عاد إلى هنا العديد من الناس الذين كانوا قد اختاروا الرجوع إلى الوطن."
 
قصة مادول هي قصة طفل واحد فقط، عانى من الآثار طويلة الأمد وبعيدة المدى والخطيرة جداً للحروب. مادول الذي كان طفلاً يتيماً ومشرداً داخل وطنه والذي تم تجنيده حين كان طفلاً، بات اليوم لاجئاً يحلم بدراسة الطيران- "إلا أنه ليس لدي المال الكافي لذلك."
 
الأطفال الذين ولدوا نتيجة الإغتصاب
 
فرت باشينس (٣) مع شقيقتها وزوج شقيقتها بولامبو (٤)، جراء العنف المتصاعد في الجزء الشرقي من جمهورية الكونغو الديمقراطية في وقتٍ سابق من العام الحالي.
 
روى بولامبو ما حدث قائلاً "لقد عذبوا زوجتي وشقيقتها واغتصبوهما، حتى أنهم قاموا باغتصابي أنا أيضاً، بعد أن قتلوا والدَي وأضرموا النيران في منزلنا. أنا لست هذا الشخص الذي إعتاد على خوض تجربة مريرة كذلك، أتمنى أن أموت".
 
بالنسبة لمئات الآلاف من الكونغوليين الفاريين من بيوتهم مع تجدد القتال في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بات الاغتصاب أداة الحرب الوحشية في شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي يبدو للأسف أنه المصير الذي لا مفر منه للمدنيين من الفتيات والصبية والنساء والرجال على حد سواء. وبالنسبة لباشينس وعائلتها، فستبقى الندوب التي خلفتها تلك الأحداث المأساوية ظاهرة للعيان وموجودة دائماً.
 
"لدي بالفعل طفل من رجل مسلح قام باغتصابي عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري." تقول باشينس وهي تشير إلى طفلٍ صغير. "والآن، مرةً أخرى، أقوم أنا وشقيقتي بحمل أطفال من قام بتعذيبنا في أحشائنا".
 
سمع الطفل الصغير المقصود الحديث كاملاً. وهكذا ستواجه باشينس وعائلتها المأزق ذاته مرةً أخرى قريباً. وماذا عن الأطفال الذين يولدون من رحم تلك الوحشية والمآسي؟
 
وقالت باشينس بوضوح شديد أنه بعد كل تلك الأحداث التي عاشتها، لم يعد هناك أي مستقبل ينتظرها. وقد اغرورقت عيناها بالدموع عندما قالت "منذ أن كنت طفلة، قاموا بتدمير حياتي وتركوا لي تذكارا مؤلماً بحيث لن يشفي النسيان جراحي؛ فهذا الطفل يبدو تماماً كأبيه الذي اغتصبني. أتمنى أن يعطيني الله القوة عندما يأتي الطفل الآخر؛ حيث سيكون بمثابة تذكير آخر لنا بأن حياتنا وأجسادنا ليست ملكاً لنا، بل هي ملك لأولئك الذين لديهم السلطة والسلاح".
 
الأموال التي حصل عليها الإتحاد الأوروبي من جائزة نوبل للسلام
 
يحتاج الأطفال أثناء النزاعات في كثير من الأحيان إلى كميات متزايدة من الغذاء وأحياناً يحتاجون لأصناف غذائية خاصة لوقف الإنحدار السريع في سوء التغذية. ويحتاج الأطفال الذين واجهوا الحرب إلى أماكن "صديقة للطفل" أيضاً، حتى يتمكنوا من اللعب والتعلم في مكانٍ آمن. كما ويحتاج أولئك الأطفال العناية النفسية الاجتماعية لمساعدتهم على معالجة الصدمات التي شهدوها والتي هربوا منها؛ وهذا الأمر لا يقل أهميةً عن مساعدة ودعم المجتمعات لحماية أطفالهم. وتقوم إيكو بتمويل مثل هذه الإجراءات في جميع أنحاء العالم، مما يسهم في معالجة المشاكل التي تواجه الأطفال أثناء النزاعات.
 
في أوقات النزاعات، قد تكون المساعدات الإنسانية هي السبيل الوحيد لتمكين الأطفال، وخاصةً أولئك الأكثر عوزاً، من الحصول على الأنشطة التعليمية. حيث تسهم هذه الأنشطة أيضاً في حمايتهم من العنف والاستغلال.
 
وهذا بالذات سيتم عبر إستخدام الأموال التي حصل عليها الإتحاد الأوروبي من جائزة نوبل للسلام، حيث ستُخصص هذه الأموال للإسهام في مساعدة الأجيال القادمة لتصبح عناصر "فاعلة" في إنعاش أنفسها، بدلاً من أن تكون أجيال "فاقدة لهويتها" لـ"تسميات" النزاعات.
 
بقلم ماليني مورزاريا، المسؤول الإعلامي الإقليمي في نيروبي
 
(١) المصدر: الشبكة العالمية لوكالات التعليم في الحالات الطارئة.
(٢) تم اقتباس الاسم من رواية الأطفال "بيتر بان"، التي تصف جيلاً من الصبية السودانيين الذين طُردوا من قراهم وقبائلهم بسبب الحرب الأهلية التي استمرت عقوداً طويلة بين شمال وجنوب السودان. معظم "الصبية التائهين"- ينحدرون من قبائل مختلفة في جنوب السودان ومعظمهم من الأيتام. وقد أفادت التقارير أن حوالي ٢٦ ألف من الصبية الصغار قد تم إخضاعهم للتجنيد الإجباري  ليصبحوا أطفالاً مجندين.
(٣) لم يتم استخدام اسمها الحقيقي.
(٤) لم يتم استخدام اسمه الحقيقي.