المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية
2014/03/11 سوريا

قدرة اللاجئين السوريين على التعايش في مواجهة المصاعب

عمان- الأردن – ١ فبراير ٢٠١۳ – أمام كشكه المصنوع من صفائح الألمنيوم بمقربة من الطريق المزدحم بصهاريج المياة وحشود المشاة، يقوم أحد اللاجئين بترتيب صناديق الطماطم الطازجة لبيعها، وتصطف على يمينه مجموعة من النساء، بعضهن يحملن صغارهن وهم متلفحين ببطانيات سميكة، أمام مجموعة منوعة من البهارات السورية- والتي تعتبر مكونات مهمة لإعداد وجبة الطعام اليومية في هذه المنطقة. ومن بين هذه الحشود التي تتحرك مسرعةً، يظهر طفلان يقهقهان بخُبثٍ طفولي للكاميرا البارزة من السيارة وهم يحاولون اللحاق بسيارتنا. 

في حين يعطي مظهر السوق الصاخب صورةً عن الحياة الطبيعية لهذا المكان المنعزل عن العالم والذي يُفترض أنه ملاذٌ لضحايا الحرب الأهلية ريثما تهدأ دوامة العنف في بلادهم، يواجه اللاجئون تحدياتً جمةً خلال محاولتهم التعايش مع هذا الوضع. فالناس الذين إعتادوا العيش في منازلهم سابقاً، يقضون أيامهم الآن في خيامٍ واهنةٍ مشيدة على أرض رملية، لم يعد هنالك أيه ضمانة للخصوصية حيث كافة المرافق التي يستخدمها الإنسان مشتركة بين الجميع هنا، فضلاً عن قيام حشود الصحفيين بإجتياح المخيم يومياً. وكما يعلم معظم قاطني المخيم، إن هذا المخيم هو وطنهم الآن لفترة لا يمكنهم التنبؤ بها.

ورغم كل تلك المعاناة، يبقى المخيم بالنسبة لأكثر من ٦٠ ألف لاجئ سوري ملاذاً من السلب والقصف والقتل الذي يجتاح مُدنهم وبلداتهم التي تبعُد مسافة ۷٠ كم فقط من هنا. ولأجل الوصول إلى هذا المخيم، قامت العائلات – بقيادة النساء في أغلب الأحيان-  بالإرتحال عبر الأراضي القاحلة على طول الحدود الأردنية- السورية ليجتازوا الحدود تحت حماية عناصرٍ من الجيش السوري الحر في كنف الظلام تجنُباً لقصف القوات الحكومية. يستذكر الصغار رحلتهم وهم يتبعون عائلاتهم وأفراد العائلة ممن يكبرونهم بأنها رحلة عبر أكثر الصحارى المروعة والمحفوفة بالمخاطر في هذا العالم، إنهم يتحدثون عن رحلتهم بإنفعال شديد ورعب مطلق.

تقوم أعداد أكثر من السوريين بإجتياز الحدود إلى الأردن منذ بداية ٢٠١۳. فوفقاً لما تفيد به المفوضية السامية للاجئيين التابعة للأمم المتحدة، فقد إجتاز الحدود أكثر من ٢٦ ألف سوري منذ اليوم الأول هذه السنة مقارنةٍ بحوالي ١٦ ألف في كانون الأول، و١۳ الف في تشرين الثاني، و١٠ آلاف في تشرين الأول.

منذ بداية العام الحالي، إزداد معدل تدفق اللاجئين السوريين إلى الأردن، حيث وصل متوسط عدد اللاجئين القادمين يومياً ما بين ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ لاجئ. وبالنظر إلى الواقع الحالي, يقوم الاردن بإستضافة ٢٦٠،١۷٨ لاجئ سوري مُسجل، إضافةً إلى ٢٢٤،٤٩ لاجئ ينتظرون تسجيلهم. أمام هذا التدفق الهائل للاجئين السوريين، تقف المنظمات الإنسانية المثقلة بالأعباء أمام تحديات غير مسبوقة. فهُم في سباقٍ مع الزمن في محاولة لتأمين مرافق المياه في قطعة الأرض التي تم تخصيصها مؤخرا في المخيم. إضافة إلى ذلك، تقوم منظمات الإغاثة بتزويد اللاجئيين بالبطانيات وتعمل على تدعيم بنية خيامهم لمساعدتهم في الصمود في ظروف الشتاء القاسية. فمنذ إسبوعين، أنخفضت درجات الحرارة لما دون الصفر وإجتاحت الثلوج المنطقة ومن المتوقع أن تستمر هذه الحالة طيلة الشهر الثاني من هذه السنة.

وقد صرحت المفوضة كريستالينا جيورجيفا قائلة: "يشكل الطقس السيء بما يحفل به من أمطار غزيرة وثلوج ودرجات حرارة منخفضة تصل لدرجة التجمد نذير شؤم لمليوني نازح داخل سوريا و ٦٢۳ ألف لاجئ ممن فروا إلى الدول المجاورة"، وأضافت: "مع إنسداد آفاق الحلول السياسية، أخشى من قدوم الأسوء" . فقد وصل تعداد اللاجئين في دول الجوار إلى ۷٢٨ ألف وهذا العدد في زيادة مستمرة يومياً.

يمكن تعريف القدرة على التعايش في إطار العمل الإنساني عبر ربطها بعملية بناء قدرات المجتمع لإستعادة سبل العيش بعد حدوث كارثة طبيعية. إلا أن نمط االقدرة على التعايش السائدة في مخيم الزعتري الواسع قد أخذت بالتبلور على شكل العمل الفطري سعياً للبقاء. إنه عمل يمتزج بجهود منظمات الإغاثة الإنسانية لأجل النهوض بمجتمع اللاجئين وتمكينه.

يكسب محمد الذي يعيش في كرفان مع زوجته وأطفاله اﻠخمسة عشرة مبلغ ١٠ يورو لقاء عمله في أعمال البناء التي تساعده في تأمين دخل بسيط له ولعائلته.

يقوم شركاء إيكو في الميدان بدعم اللاجئين عبر مشاريع صغيرة والتي تتبع آلية العمل- مقابل النقود، حيث تعمل هذه المشاريع على المساعدة في توسيع مرافق المخيم. يكسب محمد، الذي يعيش في كرفان مع زوجته وأطفاله الخمسة عشرة، مبلغ ١٠ يورو يومياً لقاء عمله في أعمال البناء التي تؤمن دخلاً بسيطاً له ولعائلته. يُعتبر محمد من المحظوظين من بين اللاجئين، فالأعمال التي يمكن أن تدر دخلاً هي أعمال محدودة جداً في المخيم.

هذا وقد أعلنت المفوضة كريستينا جورجيفا عن تمويل أوروبي إضافي بلغ ١٠٠ملون يورو إستجابة للأزمة السورية في مؤتمر المانحيين الدوليين لسوريا برئاسة الأمين العام للأمم المتحدة بان غي مون المُنعقد في الكويت في ۳٠ كانون الثاني. حيث سيقدم هذا التمويل المزيد من المساعدة للسوريين المحتاجين في كلً من الداخل السوري وللسوريين اللاجئين في دول الجوار.

لن تحتاج لأكثر من جولة في سوق مخيم الزعتري لتشهد قدرة اللاجئين السوريين على التعايش، حيث يعيشون إعتماداً على القليل المتوفر لديهم. إلا أن تصاعد حدة العنف وإستمرار تدفق أعداد اللاجئين السوريين تضع المجتمع الإنساني أمام مسؤولياته المتمثلة في الإستمرار بجهود دعمهم عبر شتى السُبل الممكنة.

قصة وتصوير "دينا بسلان" مساعدة الإتصال والمعلومات في مكتب الدعم الإقليمي في عمان- الأردن.