المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية

على الحدود السورية...

ظهر ثمانية من النساء والأطفال أولاً ثم تبعهم رجالهم المرافقين لهم حاملين أثمن ما لديهم من مقتنيات. لقد كانوا منهكين وخائفين، وقُدمت لهم المساعدة في آخر خطواتهم عبر الارض الرملية من سوريا للأردن. أخيراً، وصلوا إلى ملاذ آمن من الجنون الدموي الذي إبتليت به بلادهم.

كنت في واحدة من اﻠ ٤٥ نقطة عبور غير الرسمية على الحدود السورية الأردنية التي يتدفق من خلالها ألفي إنسان يومياً. في تلك الليلة عبر ٥٦٠ شخص جُلهم من الأطفال من هذه النقطة التي كنت أقف فيها.

سمعت وشاهدت أشياءً مرعبة خلال زيارتي للحدود. قامت إحدى العائلات الكردية التي هربت من دمشق قبل ليلة بوصف مجزرة إرتكبها أشخاص لا يتكلمون اللغة العربية في منطقة مجاورة لهم. قال الأب "لقد شقوا حنجرة إمام المسجد". لقد كان ذلك الحدث بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير. إنها خطوة شجاعة، فقد أقدموا على الرحلة عبر المناطق المتنازع عليها بشراسة.

أراني العميد حسين الزيود الذي يدير العمليات الحدودية مشاهداً تقطع نياط القلوب لكبار السن والعجزة، والمصابين بجروح خطرة، وحتى طفل ولدته أمه خلال عملية إخلاءها، لكن عندما رأيت طفلاً ربما بعمر التسع سنوات وقد فقد القسم السفلي من ذراعه الأيسر، لم أتمالك نفسي وجال السؤال في رأسي: "متى يمكن لهذا الجنون أن ينتهي؟"

يستمر كرم الأردن خلال هذه المأساة ليشكل مصدراً للأمل. فقد عمل إبقاء الحدود مفتوحة في السراء والضراء على أنقاذ الآلاف من الأرواح. ليس من المبالغة الآن القول أن تداعيات هذا الشيء يمكن أن تقاس على صعيد يتعلق بالوجود الأردني. أخبرني وزير الخارجية جودة أنه في حال إستمرار وتيرة تدفق اللاجئين بنفس المعدل لسنة أخرى سيصبح ٤٠ في المائة من سكان الأردن من اللاجئين السوريين القادمين حديثاً للبلد. هل يمكن لأي منا نحن الأوروبيين تصور ما الذي يعنيه هذا الشيء على بقاء دولنا؟

يقول الوزير أنه سئم من مديح وتربيت المجتمع الدولي على ظهرنا، "نحن بحاجة لتمويل لكي نتمكن من العمل، فبقاءنا كأردنيين معرض للخطر الحقيقي".

ولفهم هذه النقطة بنصابها الصحيح يجب علينا التفكير بعمق بعيداً عن مخيم الزعتري للاجئين. فتوصيف المخيم يفتقر للتوصيف الدقيق، فالمخيم يعتبر بلدة واسعة تعج بمئات آلاف الأرواح، إنه المدينة الأردنية الخامسة من حيث الضخامة التي إنبثقت فجأة إلى الوجود، حيث بدت بلدة المفرق المجاورة لها والتي تعج باللاجئين السوريين كقزم أمام مخيم الزعتري.

لقد إزداد الوضع سوءاً منذ زيارتي التي قمت بها للأردن منذ بضعة شهور فقط. لقد أدركت الآن أن الوضع يصل إلى نقطة تفوق قدرات المنظمات الإنسانية. إننا بحاجة لتأمين المزيد من الموارد لتمويل البنية التحتية كأنظمة المياه على سبيل المثال، حيث يتوجب علينا معالجة الصرف الصحي الناتج عن شحن ثلاثة ملايين لتر من المياه يومياً لمخيم الزعتري.

زرت إحدى مشاريع الأطفال حيث إلتقيت رامي ذو اﻠ ١۳ عاما، لقد كان خجله يتناقض مع تبجح رفاقة وحبهم للظهور. أعطاني رامي ورقة رسم على وجهها الأول منزله في سوريا، على الوجه الآخر رسم باص لينقله لبيته".

آمل أن يعود رامي إلى هناك، لكن أخشى أن ذلك لن يكون في وقت قريب. إن التكلفة الباهظة للحرب الأهلية السورية مستمرة بالإزدياد، لا يمكننا أن نعيد عقارب الساعة للخلف، لكن من الممكن أن تتظافر جهودنا وعملنا للحيلولة دون وقوع جيل كامل من الأطفال من أمثال رامي فريسة لقدرهم البائس.

 

كريستالينا جيورجيفا

مفوضة الإتحاد الأوروبي للتعاون الدولي والمساعدات الإنسانية والإستجابة للأزمات.