المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية

تفاقم الأزمة الإنسانية في جنوب السودان: تعليق الآمال على وقف إطلاق النار

أدت الأزمة السياسية في جنوب السودان، والتي بدأت في شهر كانون الأول من عام 2013، إلى تشريد أكثر من 875000 شخص من منازلهم. وتم التوقيع على إتفاق وقف إطلاق النار, ولكن تم الإبلاغ في الآونة الأخيرة عن استمرار الاشتباكات وعدم تمكن المنظمات الإنسانية من الوصول إلى العديد من المحتاجين للمساعدة بسبب انعدام الأمن.

بالنسبة لماوت، الذي يعيش في مستوطنة للاجئين في أدجومانى، فإن الأمر واضح، حيث أخبرني: "هذه هي السياسة. يعرف الرجال ذلك"، ويضيف: "لكن بالنسبة للنساء والأطفال". يتوقف قليلاً ثم يستطرد: "فإنهم سيقاومون ويقاتلون, وسوف يجلبون [اختلافاتهم] إلى هذه المستوطنة للاجئين".
يتحدث ماوت، البالغ من العمر 23 عاماً, وهو لاجئ من جنوب السودان, عن الأزمة السياسية في بلاده والتي عرفت باتساع مدى الإنتهاكات التي تُرتكب ضد المدنيين على أساس الإنتماء السياسي والنغمات العرقية.
هرب ماوت مؤخراً من القتال المشتعل في بلدة بور، في جونجلي, وعبر الحدود إلى شمال أوغندا مع عائلته. ولكن قرر والده فقط البقاء هناك. تحدثنا مع ماوت عن عدد المرات التي تم فيها تشريده من منزله خلال حياته. فقد أخبرنا أن هذه هي المرة الثالثة التي إضطرت فيها أسرته إلى الفرار. فقد كانت المرة الأولى في عام 1991، عندما كان عمره عشر سنوات فقط.
وبلغة إنجليزية لا تشوبها شائبة، قام ماوت، الذي تلقى تعليمه في مخيم كاكوما في كينيا، بالترجمة لشقيقته دينغ مانغار. وتشير دينغ، حيث كانت تحمل طفلاً، أنهم 'طردوا' من بلدة بور في ولاية جونجلي على الرغم من تاريخهم هناك.
وقد فرت دينغ من العديد من موجات الصراع أيضاً عدة مرات، حيث توضح ذلك قائلة: "لقد كانت المرة الأولى في عام 1991، ثم في عام 2004, والآن".
في نفس اليوم، التقيت نيال, البالغ من العمر 21 عاماً، والذي قال بإنه هرب من جوبا مع بعض أفراد عائلته، والبعض الآخر لا يزالون كلاجئين في مجمع الأمم المتحدة في جوبا. ينتظر نيال الإنتقال إلى مستوطنة للاجئين في كيرياندونجو في وسط أوغندا.
لقد عاش نيال وأسرته, الذين ينحدرون في الأصل من ملكال، في منطقة النيل الأعلى في جنوب السودان، في جوبا لأكثر من 8 سنوات. وفي هذا الإطار, يشرح نيال قائلاً: "كانت لدينا آمال لبلدنا الجديد". "لقد صوتنا وقد تم إستهدافنا الآن ومطاردتنا".
تتحدث آن صوفي لينخولم, مستشارة الحماية في دائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية (إيكو)، والتي عادت لتوها من جوبا, عن ذلك بالتفصيل قائلة: "غالبا ما يكون الرجال أكثر وأشد عرضةً للخطر عندما يهربون في مثل هذا السياق, لأنه من الممكن تجنيدهم للقتال، ولأنه يمكن أيضا أن يٌنظر إليهم كمقاتلين كونهم رجال".
ويواصل نيال: "عندما كنا في ملكال، تم تشريدنا أكثر من مرة وتنقلنا في ولاية النيل العالي- ولكن هذه هي المرة الأولى التي ننتقل فيها إلى جوبا. لقد ذهبت جدتي وشقيقاتي إلى أوغندا من قبل، طلباً للمساعدة، ولكن بالنسبة لي فإنها المرة الأولى التي آتي فيها إلى هنا".
كان موطن نيال، ملكال في النيل الأعلى، مسرحاً لأعمال العنف والنهب التي طالت أيضا السلع الإنسانية. وحدث هذا، على الرغم من الاتفاق الأخير على وقف الأعمال العدائية الذي تم توقيعها في أديس أبابا من قبل القوات الحكومية والمعارضة.
ووفقاً للأمم المتحدة، تم حتى الآن تشريد حوالي 875000 جنوب سوداني من ديارهم جراء النزاع الذي اشتعل في الأسابيع الأخيرة. ومن بين هؤلاء، يوجد ما يقرب من 740000 داخل حدود جنوب السودان الشاسعة وأكثر من 135000 أخرين يلتمسون اللجوء في البلدان المجاورة. وتكافح وكالات المعونة الإنسانية من أجل توفير المياه النظيفة, والمأوى الأساسي، والدواء، والغذاء للأعداد المتزايدة من العائلات المعوزة.
ويشير كل من ماوت ونيال، بأصابع الاتهام 'إليهم'- المجموعة العرقية الأخرى- بأنهم المشكلة والسبب في نزوحهم. حيث يوجد لكل منهما الندبات والجراح العاطفية التي تثبت ذلك؛ بالإضافة إلى أفراد الأسرة المفقودين والممتلكات الضائعة.
تقول لينكولم: "لقد أدى الصراع إلى تقسيم البلاد. وقد حصلت الفظائع التي ارتكبتها جميع الطوائف. سيحتاج الامر وقتاً طويلاً للشفاء".
لقد تعب الآباء والأمهات الذين التقيت بهم في جنوب السودان من الفرار من منازلهم بلا شيء, والاعتماد، مرة أخرى، على المساعدات. وقد طال اليافعون والشباب، فهم ببساطة يريدون الحصول على التعليم دون انقطاع. وتحسر المسنون ورجوا أن يعيشوا بسلام بعد كل هذه العقود من النضال. بالنسبة لهم جميعاً، لا تزال جراح الصدمة جديدة ويتوقف الشفاء منها على الإرادة السياسية. وهناك آمال كبيرة لهذا البلد الوليد بوقف الأعمال العدائية والتوفيق بين الاختلافات بين المجتمعات المختلفة.
لقد تمكن مجتمع واحد بالفعل من حل المسألة بأنفسهم. وتوضح لينكولم ذلك: "أثناء وجودي في جوبا، سمعت بأن نساء من طائفتين مختلفتين قد بدؤوا بالاندماج معاً، وأنهن اجتمعن مع المسؤول المحلي وخرجن إلى الشوارع احتجاجاً على العنف ضد المدنيين والمطالبة بوقف ذلك".
ماليني موزاريا، المسؤول الإعلامي الإقليمي في المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو) لوسط شرق وجنوب أفريقيا.