المساعدات اﻹنسانية والحماية المدنية
2014/11/04 مالي

اللاجئون الماليون: الأمان..لا ينتظرهم في أرض الوطن

يمكن وصف شعور اللاجئين الماليين بعد مرور عامين على اختطاف الطوارق المتمردة من قبل الجماعات المتطرفة واقتياد البلاد الى حرب أهلية بأنهم "في مواجهة خياران..أحلاهما مر". وقد كان تدمير مخطوطات يصل عمرها إلى قرون, والقضاء على المزارات القديمة في المدينة التاريخية في تمبكتو من آوائل خسائر الحرب، الأمر الذي أثار انتقادات دولية. وقد فر عشرات الاشخاص من الشمال إلى أجزاء أخرى من البلاد, ومنهم من فر عبر الحدود.
 

قد انتهى أمر كثير منهم في المخيمات المجاورة في موريتانيا, والنيجر, وبوركينا فاسو التي تختلف في الحجم، وعدد اللاجئين الذي تستوعبه, والمظهر. مع ذلك، فإن القواسم المشتركة بينها جميعاً هي حرارة الشمس الحارقة، والعواصف الثلجية الرملية المفاجئة، والمحن التي يقاسيها سكانها. ويحتضن المخيم الموريتاني مبيرا نحو 60000 لاجئ, وهو مخيم صغير الحجم يحيط به خندق للحماية من الدخلاء المحتملين. وفي بوركينا فاسو، يوجد أكبر مخيم للاجئين، مينتاو، الذي يضم 13000 نسمة؛ وتنتشر الخيام في المخيم كما هي العادة في المجتمعات التي تتبع نمط حياة شبه الرحل.
 
تقول يانا واليت اباشا, وهي أم لخمسة أطفال من سونغاي وتعيش في مبيرا منذ شهر كانون الثاني من عام 2013: " أتمنى العودة إلى الوطن في تمبكتو، ولكن ليس لدي الوسيلة لذلك. ربما أتمكن من العودة مع جاري الذي ساعدني في الوصول إلى هنا، ولكنه يشترط أن يكون الأمن سائداً هناك بالدرجة الأولى". وبمساعدة شخص يستطيع الكتابة، أرسلت يانا خمس رسائل إلى زوجها الذين كان ممن بقوا هناك. ولكنها لم تتلق أي رد. وكانت الأخبار الوحيدة التي وصلتها عنه وعن الوضع في الوطن هو القليل الذي كانت تعرفه من الأشخاص الذين لديهم هواتف أو أولئك الذين يتحركون ذهاباً وإياباً بين مالي والمخيم. ومع عدم تمكنها من دفع ثمن الأطعمة الاضافية لاستكمال الحصص الغذائية، أصبحت يانا تبذل قصارى جهدها من أجل إطعام أطفالها ثلاث مرات في اليوم. وأخذت تزرع بعض الخضروات في واحدة من الحدائق العامة. وقد كانت تحصل على الماء من الآبار التي تم حفرها بعمق أكثر من 100 متراً، وهو الأمر الذي بات ممكناً بفضل تمويل المفوضية الأوروبية.
يانا، هي واحدة من العديد من الماليين في مخيم مبيرا للاجئين. ومع نضالها ومحاولاتها لفتح علبة صغيرة من معجون الطماطم بسكين حادة، تعترف يانا، بأنها فقدت كل الشهية. يانا هي واحدة من العديد من النساء في المخيم اللواتي يحاولن الاستمرار في الوقت الذي وضعت حياتهن قيد الانتظار.
 
واللاجئون الطوارق، بغض النظر عن المخيم الذي يعيشون فيه، أكثر بلاغة في تلخيص الوضع اليوم. "الحصص صغيرة جداً، ونحن لا نحصل على اللحوم أو الحليب الذي اعتدنا الحصول عليه، وليس هناك ما يكفي من الأدوية"، هكذا يرثي أحد المسنين الحال في مخيم مينتاو. ويضيف "سنعود إذا استطعنا، ولكن الأمن غير مضمون في الوطن. فلا تزال مطاردة الأشخاص من ذوي الألوان والبشرات المختلفة قائمة. بعض الناس يعودون، ولكنهم يقومون بذلك بسبب الظروف القائمة هنا، وليس بسبب ان الوضع آمن للعودة".
 
وتعترف المفوضية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بأن الأوضاع في مالي لا تزال غير مواتية للعودة إلى الوطن. وعلى الرغم من التقدم المحرز في مجال إقرار سيادة القانون في مالي وخطط التنمية المتسارعة في الشمال، إلا أن المنطقة ذات الطموحات الانفصالية لا زالت تعول على العديد من المناطق التي لا يمكن الذهاب إليها. فظروف العودة للاجئين أشبه بالمستحيلة هناك.
 
تقول أنجيل دجوسو, نائبة ممثل المفوضية في بوركينا فاسو: "لن نمنع اللاجئين من العودة، ولكننا نعتقد أنه من المهم أن نطلعهم على الوضع في مناطقهم الأصلية. سنقوم بتسهيل العودة من خلال مبلغ صغير [يعادل 53 يورو] لسد تكاليف النقل وغيرها، بشرط أن يقوم اللاجئون باتخاذ قرار مستنير والتوقيع على نموذج العودة الطوعية إلى الوطن".
 
إن الظروف غير المواتية في شمال مالي ليست مستغربة، ويدعم ذلك حقيقة أنه يبدو أن المفاوضات قد توقفت. وفي أعقاب الاشتباكات بين الجيش المالي والجماعات المسلحة في بلدة كيدال في منتصف شهر مايو من عام 2014، قرعت طبول الحرب مرة أخرى. وبالإضافة إلى الهجمات الانتحارية وعمليات الخطف والاشتباكات الطائفية التي تشكّل عناوين الصحف، تجري العديد من الحوادث التي لا يتم الإبلاغ عنها.
يعترف أحد القادة أن في منطقته الأصلية، غوندام، تبدو الأمور هادئة نسبيا في الوقت الراهن، ولكن "شرارة" واحدة كافية لإعادة الأمور إلى "نقطة الصفر". ويتحدث آخر عن "الاعتقالات التعسفية" وعن الأشخاص الذين بعد أن غادروا المخيم، عادوا إليه لأنهم شعروا بأن الوضع في مالي غير آمن. يقول أسيدييه حج محمد المكتار: "لا تزال نفس الفوضى التي كانت تطاردنا مستمرة حتى اليوم. لن يتحرك هذا المخيم طالما لم يكن هناك اتفاق بين الأطراف المختلفة. نريد سلاماً دائم".
 
ومع شعورهم بأنه تم التخلي عنهم من قبل المجتمع الدولي الذي حول انتباهه إلى أزماتٍ أخرى، يقدر اللاجئون الماليون السلامة والأمن الذي يتمتعون به في المخيمات. ويعد هذا المخيم الموطن الثاني لبعض اللاجئين المسنين من الطوارق ممن لجؤوا إلى هذه المنطقة من قبل، خلال "الترحيل الاول" في عام 1991.
 
وفي الوقت الذي يعد فيه موضوع الأمن المصدر الأول للقلق، فإن احتمال عودتهم إلى "نقطة الصفر"، بعد أن فقدوا معظم حيواناتهم وغالباً منازلهم، أمرٌ مرعبٌ على حدٍّ سواء. وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في مالي إلى أن غالبية النازحين الذين يعودون إلى الشمال يجدون أن ممتلكاتهم الخاصة وبيوتهم قد تم نهبها أو تدميرها أو احتلالها من قبل الآخرين. ومهما كانت درجة التقدم في استعادة الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية وإمدادات المياه والتعليم، إلا أن العديد من موظفي الخدمة المدنية يجب أن يعودوا الآن, كما أن أزمةً غذائيةً حادةً تلوح في الأفق مرة أخرى.
 
ولا تزال دائرة المساعدات الإنسانية والحماية المدنية (إيكو) التابعة للمفوضية الأوروبية تعتبر مساهماً رئيسياً في المساعدات الإنسانية في مالي، إلا أن الاحتياجات كبيرة، والوصول إلى السكان المتضررين في الشمال لا يزال يمثل إشكالية. وقد دخلت العديد من المناطق الشمالية بالفعل مرحلة الطوارئ، قبل وقت طويل من موسم الحصاد القادم. ومن المتوقع أن تستمر الأزمة إلى ما بعد موسم الحصاد بعد تعطل التجارة والزراعة بشدة جراء الصراع. وقد أقيمت مخيمات اللاجئين، من جانبها، في مناطق الساحل مع انعدام الأمن الغذائي بصورة شبه دائمة. وتشكل مواضيع السلامة, والغذاء, وتوفر سبل العيش حالة من الشد والجذب للمداولات اليومية للاجئين. ولكن سواء في الوطن أو في المخيمات، يبدو الاعتماد على المعونة قدراً لا يحسد عليه خلال الأشهر المقبلة، إن لم يكن خلال السنوات القادمة.
 
أنوك ديلافورتري
المسؤول الإعلامي الإقليمي في غرب أفريقيا